علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )
63
نسمات الأسحار
تريدون ، فقال بعضهم : يعطيكم ما أعطى الراهب ويلكم أما لكم عبرة بالأسد ، وقال بعضهم لا نريد الراء بعد العين وقال بعضهم : علىّ أدفعه إليكم إن شاء اللّه تعالى ، فنظروا إلى سعيد قد دمعت عيناه ولم يك يضحك منذ يوم لقوه وصحبوه ، فقالوا : يا خير أهل الأرض ليتنا لم نعرفك الويل لنا طويلا ، كيف ابتلينا بك ، اعذرنا عند خالقنا . قال سعيد : ما أعذرنى لكم وأرضاني لما سبق من علم اللّه فىّ ، ثم قال له كفيله : يا سعيد أسألك اللّه أن تزودنا من دعائك فإنا لن نلقى مثلك أبدا ، ففعل وخلوا سبيله ، فلما انشق الصباح جاءهم سعيد وقرع الباب فنزلوا إليه وبكوا جميعا طويلا ثم دخلوا على الحجاج قال : أتيتموني بسعيد بن جبير ؟ قالوا : نعم وعاينا منه العجب ، فصرف وجهه عنهم ، وقال : أدخلوه علىّ فأدخلوه ، قال : ما اسمك ؟ قال : سعيد بن جبير ، قال : أنت الشقي بن كسير ، قال : بل أمي كانت أعلم باسمي منك ، قال : شقيت أنت وشقيت أمك ، قال : الغيب يعلمه غيرك قال : لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى ، قال : لو علمت أن ذلك بيدك لا تخذتك إلها ، قال : فما قولك في محمد ؟ قال : نبي الرحمة ، وإمام الهدى قال : فما قولك في علىّ أفي الجنة هو أم في النار ؟ قال : لو دخلتها فرأيت أهلها عرفت من فيها ، قال : فما قولك في الخلفاء ؟ قال : لست عليهم بوكيل قال : فأيهم أعجب إليك ، قال : أرضاهم لخالقى قال : وأيهم أرضى للخالق ؟ قال : علم ذلك عند اللّه يعلم سرهم ونجواهم قال : أبيت أن تصدقني قال : لأنى لم أحب أن أكذبك قال : فما لك لم تضحك ؟ قال : كيف يضحك مخلوق خلق من الطين والطين تأكله النار قال : فما بالنا نضحك ؟ قال : لم تستو القلوب ثم أمر الحجاج باللؤلؤ والزبرجد والياقوت فجمعه بين يدي سعيد ، قال : إن كنت جمعت هذا لتفتدى به من فزع يوم القيامة فصالح وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت ولا خير في شئ من جميع الدنيا إلا ما طاب وزكى ثم دعى الحجاج بالعود والناى ، فلما ضرب العود ونفخ في الناى بكى سعيد ، قال : ما يبكيك هو اللهو قال : بل الحزن تذكرت يوم ينفخ في الصور فقال الحجاج : اختر أي قتلة تريد أن أقتلك بها ؟ قال : اختر لنفسك فو اللّه ما تقتلني قتلة إلا قتلت مثلها في الآخرة . فقال : تريد أن أعفو عنك ، قال : إن كان العفو فمن اللّه وأما أنت فما نراه لك ولا عذر قال : اذهبوا به فاقتلوه فلما خرج من الباب ضحك فأخبر بذلك